لم تصدر حتي الآن وثيقة عالمية مستقلة ومعترف بها بشأن حقوق الإنسان في العصر الرقمي ومجتمع المعلومات, ومع ذلك فالساحة الدولية زاخرة بالعديد من الاجتهادات التي تحاول تأصيل وتحديد هذه الحقوق, وتمضي هذه الاجتهادات في مسارين, الأول يركز علي القضايا والموضوعات ذات العلاقة بالإنترنت وتداول المعلومات داخلها وأحيانا خارجها وهو ما تناولته بشيء من التفصيل الأسبوع الماضي, والمسار الثاني يركز علي القضايا والموضوعات ذات العلاقة بقدرة الإنسان علي الاتصال والتواصل مع البيئة المحيطة به عموما من خلال خطوط وشبكات الاتصالات, ويلفت النظر في هذا المسار إلي أنه لا يكتفي بعرض وشرح الحقوق الرقمية فقط بل يتناول أيضا ما يمكننا أن نطلق عليه المسئوليات والالتزامات المترتبة علي هذه الحقوق وهو ما أستعرضه اليوم علي اعتبار أن مفاهيم وتعريفات هذه الحقوق لا تزال غير ناضجة وغير راسخة بما فيه الكفاية.
هناك العديد من الأدبيات التي عالجت الحقوق الرقمية من زاوية الحقوق والمسئوليات, ومن المحاولات الجادة التي يمكن الاعتماد عليها كنموذج في هذا المجال تلك المحاولة التي قام بها الدكتور هيربرت بيركيرت أستاذ قانون الاتصالات بجامعة سانت جالن بسويسرا, والتي قدم من خلالها تصنيفا للحقوق الرقمية, ثم التمييز بينها وبين الحقوق الاتصالية الشاملة وتلك الاستثنائية, كما تناول فيها المسئوليات والالتزامات المترتبة علي هذه الحقوق بالنسبة للدولة أو الجهات القائمة علي شئون المجتمع, وقد قام الدكتور عمر بن يونس مستشار موسوعة التشريعات العربية بتلخيص التصنيف الذي وضعه الدكتور بيركيرت وعرضه في بحث أمام المؤتمر الإقليمي العربي الذي عقد في سبتمبر2004 بالأردن تحت عنوان( نحو مجتمع معلومات أكثر عدالة)واستنادا لما وضعه الدكتور بيركيرت ولخصه الدكتور بن يونس فإن حقوق الإنسان الرقمية في مجتمع المعلومات والاتصالات تنقسم إلي نوعين من الحقوق, الأول هو الحقوق الأساسية الشاملة غير القابلة للمصادرة وكذلك ليست محلا للاختيار والمفاضلة حتي من قبل الفرد نفسه, وتتضمن هذه الحقوق:
ـ الحق في الدخول إلي وسائل الاتصالات, ومن مظاهره القدرة علي المشاركة في الأنشطة المتعددة للإنترنت من ترفيهية واجتماعية وثقافية, والدخول إلي وسائل الاتصالات بشكل عام.
ـ الحق في الاتصال الشخصي الذاتي, وتقوم فكرة هذا الحق علي أن الإنسان حينما يجري أي نوع من الاتصالات مع آخرين, فإن هذه الاتصالات تعتبر نسخة مطابقة له أو أنها صورته المنقولة علي وجه الدقة, ويتجلي ذلك بوضوح عند الاتصال مع في المعاملات التجارية المختلفة المعتمدة علي التوقيع الإلكتروني مع جهات حكومية أو تجارية, وعند الاتصال بالأقرباء والعائلة والأصدقاء بالبريد الإلكتروني, بل إنه في حالة التوقيع الإلكتروني قد يكون التوقيع المستخدم هو بصمة العين أو اليد أو غيرها.
ـ الحق في الوصول إلي المعلومات والدخول عليها, ويبني هذا الحق علي أن البيئة الاتصالية الشاملة ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة تتيح الوصول إلي المعلومات المبتغاة, هذا الحق من طبيعة شاملة يتوافق مع فكرة حرية التجوال المعلوماتي. - الحق في المشاركة الاتصالية, بمعني إن حقوق الإنسان في البيئة الاتصالية الشاملة يجب أن تقود إلي حقوق المشاركة فيها, ثم إن هذه الحقوق بما تتضمنه من معلومات واتصالات ومشاركة ينبغي أن تندمج في مفهوم حقوق المواطنة. فالحق في المشاركة الاتصالية يتطلب تأقلم تقنية أدوات المشاركة مع الزمن المعاصر, كما يحتاج إلي بنية أساسية ترتبط بأهمية الاستمرار في المحافظة علي الخدمات العالمية للاتصالات بما يفيد ضرورة تقليص دور الوسيط في تلك البنية من الناحية المادية, ومحاولة استظهار العلاقة القانونية بذلك الوسيط, وهي علاقة حتي الآن تصب في مصلحة الوسيط فقط والذي يكاد يصبح المهيمن علي الأمور خاصة من حيث بث رؤية إمكانية رضاه بإفشاء البيانات والمعلومات,وبما يعني سيطرته علي مسألة الحق في الخصوصية في العالم الرقمي.
أما النوع الثاني من الحقوق التي أوردها الدكتور بيركيرت في تصنيفه فهي الحقوق الاتصالية الاستثنائية النابعة من طبيعة اختيارية وليست طبيعة أساسية شاملة ملزمة, وهو يري أن فكرة الجبر تنتفي في هذه الحقوق وتحكمها حرية الاختيار من قبل الفرد, وتتضمن هذه الحقوق ما يلي:
ـ الحق في الخصوصية, أي إمكانية البقاء في عزلة بعيدا عن المشاركة مع الغير, وهو استثناء يجب بقاؤه واستمراريته في المثال الواقعي الذي يتكامل برفض التعامل مع المؤسسات التي يتطلب الدخول إلي شبكاتها دفع مبالغ مالية, ومثل هذه الشبكات إذا لم تتكامل مقومات الدخول إليها فإنها تستمر علي خصوصيتها.
ـ الحق في الاستعارة, أي حق الفرد في اختيار شخصية مستعارة أثناء تواصله مع الآخرين, وتنطلق فكرته الأساسية من أنه من الصعوبة بمكان- أو تجاوزا يعد من المستحيل- فرض قيود رقابية علي حركة المعلومات واستخداماتها في البيئة الاتصالية الشاملة, لذا فإنه ووفقا لهذا الحق, فإن الضن بالمعلومات الشخصية أو إخفائها يجب قبوله كقاعدة عامة- سيما وإن الشمولية التي عليها الحال في تلك البيئة وحالة التغيير المستمر فيها لا يحتاج فيها إلي المعلومات الشخصية. وعليه فإن شرط موضوع إخفاء الشخصية واستخدام اسم مستعار من الأمور التي يمكن إباحتها بحيث تستبعد كل الشروط المسبقة التي تتعارض مع هذا الاتجاه.
ـ الحق في عدم الظهور, ويري المفكرون إن هذا الحق يعد أحد أهم آثار البيئة الاتصالية الشاملة التي تشبع رغباتنا الإنسانية, ذلك أنه يبرز أهمية حضورنا ومدي قابلية ظهورنا, ففي البيئة الاتصالاية إما أن نكون ظاهرين وإما أن نمتنع عن الظهور( نختفي) دون أدني تأثير للضغط الاجتماعي كما هو الشأن في البيئة العادية, بل يمكن أيضا عدم الظهور دون أن يكون لذلك عقاب ما, وإن أكثر بروز لهذا الحق حال التعامل الإلكتروني من خلال مواقع ليس لها وجود في الواقع المادي وإنما لها وجود في الواقع الإلكتروني.
ـ حق الفرد في تقوية موقفه, ويعني هذا الحق أنه في البيئة الاتصالية الشاملة يمنح الحق للمستخدم في إخراج ذاته عن مضمون المعلومات المتوافرة. إذ مع التنوع الحضاري والثقافي تتصاعد المخاطر, وفي ذات الوقت إزاء أهمية المعلومات فإن الخيار الوحيد بإغلاق الجهاز لم يعد خيارا بسيطا, فما نحن بحاجة إليه هو التدريب والقابلية للتطوير علي خيارات آلية دفاعية, فمثلا تساعد إجراءات التصفية أو الفلترة التي تستخدم مع رسائل البريد الإلكتروني ومواقع الإنترنت علي حماية الذات ضد العدوان علي البريد الإلكتروني, وبفضل التأثير الاحتمالي لمثل تلك الأدوات أمكن البقاء في إطار الشرعية في ظل حرية الاختيار.
الالتزامات والمسئوليات تقضي القواعد القانونية بأنه إذا كان الحق يقابله التزام في القانون فإن الإخلال بهذا الالتزام يرتب المسئولية, وإذا ما طبقنا هذه القواعد علي الحقوق الاتصالية والرقمية السابقة سنجد أننا إزاء حقوق عامة يمتد نطاقها إلي الدولة والعلاقة بينها وبين المواطن, وإن هناك حالة تقاطع بين الحقوق والالتزامات والمسئوليات, وأن الدولة هي المسئولة عن تفعيل هذه الحقوق وضمان صيانتها.
ويصف الدكتور بيركيرت هذه المسئوليات بأنها جديدة علي الدولة لكونها ناشئة من حقوق جديدة يتعين أن تتصاعد إلي سماء النظم القانونية المعاصرة, وتتجه إلي موقع الصدارة في المجتمعات المعلوماتية, وهو يتحدث في هذا الصدد عن ثلاثة مستويات من المسئوليات هي:
ـ مستوي المسئوليات الصغري, وفي هذا المستوي يؤخذ في الاعتبار دور الفرد ومسئوليته الاتصالية المتصاعدة,
ـ مستوي المسئوليات المتوسطة, ويتعلق بالأساس بموفري خدمات الاتصالات والمعلومات والمحتوي الاتصالي في المجتمع ومدي إخلال أو التزام هؤلاء الموفرين بالتزاماتهم ومسئولياتهم تجاه جماهير الشعب, ويري البعض أن مسئولية الوسيط هنا ليست من المسئوليات الجديدة وإن كان هناك إجماع أوروبي علي ذلك, ولقد لاقي موضوع مسئولية إخلال الوسيط بالتزاماته الاهتمام الكامل إزاء الشك في القدرة علي تطوير الإنترنت, بالإضافة إلي أن الوسيط يعد الهدف المتحرك الذي يمكن تحميله المسئولية كذلك, سيما وأن الفاعل- مثالا- لا يمكن التعرف عليه كما أنه إذا تم التعرف عليه فإنه ليس من السهولة أن تصل إليه يد العدالة.
ـ مستوي المسئوليات الكبري التي يتعين علي الدولة والمؤسسات العليا في المجتمع الاضطلاع بها وهي أقوي أنواع المسئوليات, لأنها ـ كما يقول بيركيت ـ المسئولية الكفيلة بمواجهة القلق و(الجزع) الذي ينشأ عن ما تتعرض له البيئة الاتصالية من ضغوط وتدخلات خارجية وتفاعلات داخلية تؤثر سلبيا علي الحقوق الاتصالية, وهو جزع من نوع متميز يحمل في مضمونه تحدي الاتصالات لمنظومات القيم والمعتقدات والأصالة والتميز والهوية والشخصية المميزة والثقافة السائدة في كل مجتمع علي حدة.
وعلي الرغم من الأهمية الكبري لهذه الاجتهادات وما قدمته من تفسيرات لحقوق الإنسان الرقمية فلا تزال بينها وبين حقوق الإنسان المادية مسافة واضحة من حيث القوة والرسوخ والفهم والاحترام, لذلك فهذه الاجتهادات تحتاج مزيدا من النضج والتوسع والإضافة والتحديد حتي تحظي بدرجة من الاستقرار والقبول والتوافق العالمي, ثم تخرج في صورة إعلان عالمي جديد يضاف للإعلان العالمي لحقوق الإنسان, وكل الشواهد الحالية تدل علي أن الإسهامات الفكرية في هذا الصدد ستتزايد مستقبلا, خاصة مع المداولات والنقاشات التي تدور بلا انقطاع عبر منتديات الإنترنت ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني عموما, وتتغذي علي الكثير من القضايا والأحداث التي تدفع بهذه القضية إلي دائرة الضوء.
|